عبد الملك الجويني
62
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
فصل قسم شيخنا ، رضي اللّه عنه ، أسماء الرب سبحانه وتعالى ثلاثة أقسام . وقال من أسمائه ما نقول إنه هو هو ، وهو كل ما دلت التسمية به على وجوده ؛ ومن أسمائه ما نقول إنه غيره ، وهو كل ما دلت التسمية به على فعل كالخالق والرازق ؛ ومن أسمائه ما لا يقال إنه هو ولا يقال إنه غيره ، وهو كل ما دلت التسمية به على صفة قديمة كالعالم والقادر . وذكر بعض أئمتنا أن كل اسم هو المسمى بعينه ، وصار إلى أن الرب سبحانه وتعالى إذا سمي خالقا فالخالق هو الاسم ، وهو الرب تعالى ؛ وليس الخالق اسما للخلق ، ولا الخلق اسما للخالق ، وطرد ذلك في جميع الأقسام . والمرتضى عندنا طريقة شيخنا رضي اللّه عنه ؛ فإن الأسماء تتنزل منزلة الصفات ، فإذا أطلقت ولم تقتض نفيا حملت على ثبوت متحقق . فإذا قلنا : اللّه الخالق ، وجب صرف ذلك إلى ثبوت وهو الخلق ، وكان معنى الخالق من له الخلق ، ولا ترجع من الخلق صفة متحققة إلى الذات ، فلا يدل الخالق إلا على إثبات الخلق . ولذلك قال أئمتنا : لا يتصف الباري تعالى في أزله بكونه خالقا ، إذ لا خلق في الأزل ، ولو وصف بذلك على معنى أنه قادر كان تجوزا . فخرج من ذلك أن العلم والقدرة كما كانا صفتين ، فكذلك هما اسمان . والكلام في ذلك يؤول إلى التنازع في إطلاق لفظ ومنع إطلاقه . ثم جميع أسماء الرب سبحانه تنقسم إلى ما يدل على الذات ، أو يدل على الصفات القديمة ، وإلى ما يدل على الأفعال ، أو يدل على النفي فيما يتقدس الباري سبحانه عنه . ونحن الآن نشير إلى تفسير الأسماء المأثورة على إيجاز . فأما « اللّه » ، فالصحيح أنه بمثابة الاسم العلم للباري سبحانه ، ولا اشتقاق له . ثم قيل : أصله إله ، فزيدت اللام فيه تعظيما . وقيل : الإله ، ثم حذفوا الهمزة المتخللة ، وأدغموا اللام للتعظيم في التي تليها . وقيل : أصله لاه ، فزيدت فيه اللام تعظيما . وقال بعض أهل اللغة : هو من التألّه ، وهو التعبد ، فاللّه معناه المقصود بالعبادة . « الرحمن الرحيم » : هما اسمان مأخوذان من الرحمة ، ومعناهما واحد عند المحققين ، كالنّدمان والنديم ، وإن كان الرحمن يختص به اللّه تعالى ولا يوصف به غيره . ثم الرحمة مصروفة عند المحققين إلى إرادة الباري تعالى إنعاما على عبده ، فيكون الاسمان من صفات الذات . وحمل بعض العلماء الرحمة على نفس الإنعام ، فيعود الرحمن الرحيم إلى صفات الأفعال . « الملك » : معناه ذو الملك . ثم اختلفوا في الملك ؛ فمنهم من فسره بالخلق ، فالملك الخالق وهو من أسماء الأفعال . وقال بعضهم : الملك القدرة على الاختراع ؛ إذ يقال : فلان يملك الانتفاع